التخطي إلى المحتوى

في مقال كتبه السيميولوجي والروائي الإيطالي أومبرتو إيكو (1932 – 2016)، عن الكتابة اليدوية بعد انتشار الكمبيوتر، يشير فيه إلى ذلك التنسيق بين اليد والعين حين نكتب بها حيث يتمّ تكوين العبارة ذهنياً قبل كتابتها، وبفضل ما يسميه “مقاومة القلم والورق” فإن المرء يبطئ ويفكّر.

استناداً إلى هذه المقولة، يُفتتح مساء الخميس، الثامن والعشرين من الشهر المقبل، في “غاليري ريتشارد سالتون” بلندن معرض “مقاومة القلم والورق” الذي يتواصل حتى الرابع من تشرين الثاني/ نوفمبر 2023، ويضمّ أعمالاً لستّة فنانين من مصر وإيران وفلسطين.

ولمزيد من التوضيح، يقتبس بيان المنظّمين مقطعاً للكاتب الإيراني صادق هدايت (1903 – 1951) يروي فيه رغبته في كتابة ما يفكّر به لكنه حُرم القلم والورقة، اللذين أؤتي بهما في يوم آخر، لكنه وقف أمامهما عاجزاً عن الكتابة. وفق هذه الرؤية، تُعرض لوحات فنانين استخدموا الخط واللغة المكتوبة للتفكير في قضايا تتعلق بالهوية والتراث والمنفى.

مقطع من عمل للفنانة الإيرانية شيرين نشأت

يشارك الفنان المصري فتحي حسن (1957) الذي يدمج التصوير الفوتوغرافي والرسم والتركيب في أعماله منذ الثمانينيات، وتعتمد ممارسته الفنية بشكل أساسي على التراث النوبي والمصري، حيث يخطّ حروفاً تنتمي إلى لغات قديمة تم محوها بفعل السيطرة الاستعمارية، كما يوظّف عبارات مكتوبة بالخط الكوفي لكنها تظلّ غير قابلة للفهم كما في عمله التركيبي المعروض “روزاريو” (2010)  الذي تتألف من 99 كلمة عربية مكتوبة بالرمال الرمادية على ألواح بيضاء.

أما مواطنته هدى لطفي (1948)، فتمزج سلسلة كولاجات صممتها بعنوان “أجهزة الشفاء”، وهي تتكوّن من عناصر نحتية مجردة مع نص خطي على الورق، مستمدّة من التصاميم الميكانيكية التي وضعها العالم العباسي ابن الجززي خلال القرن الثاني عشر الميلادي، حيث ابتكر أجهزة وصيغا علاجية للشفاء من القلق والقيود الاجتماعية.

أما الأعمال المعروضة للفنانة الفلسطينية مليحة أفنان (1935 – 2016)، فنفّذتها بالحبر ومواد مختلطة على الورق أو بالباستيل الزيتي وتتضمّن حروفاً تحاكي الخطوط المسمارية القديمة فوق خلفية تشبه التراب الأحمر، في أسلوبها التجريدي الذي يعدّ امتداداً لتيار انطلق منذ الخمسينيات سعى إلى التعامل مع الخط العربي كجزء من العمل الفني ضمن دلالات بصرية جديدة.

كما تُعرض أعمال الفنانة الإيطالية، من أصل إيراني، بيتا غيزيلايا (1955) النسيجية النحتية التي غالباً ما تتضمن عناصر خطية واستعارات أخرى من تراثها الفارسي، كما في سلسلة من الأعمال الخطية المطبوعة بالشاشة الحريرية على المنسوجات المطرزة والمنسوجة يدوياً وتتمحور ثيمتها حول جدل الانتماء الفردي والجماعي.

إلى جانب أعمال الفنّانة والمخرجة الإيرانية شيرين نشأت (1957) التي تحمل أسئلة المنفى بالنسبة لامرأة تنتسب إلى ثقافة تشهد تحولات كبيرة في المفاهيم والنظرة تجاه النساء، وأعمال مواطنها نصر الله أفجي (1934) التي تجرّد الحرف بأسلوب غنائي ساد معظم تجارب الحروفيين في إيران خلال الستينيات.