التخطي إلى المحتوى

في التسعينيات كانت لي صديقة في “جامعة كامبريدج”، تدعى ديبوره كللي، عرّفني بها لوران غسبار أيام مؤتمر “سيريزي CERIZY” في الرّيف الفرنسي، وزارتني في تونس. كانت ديبوره مختصّة بالأدب الفرنكوفوني؛ وهم الكتّاب العرب الذين اتخذوا الفرنسية لغة لإبداعاتهم. قلتُ لها هؤلاء الكتّاب بلا قرّاء، لأن القارئ التونسي اختفى بانحسار اللغة الفرنسية، والقارئ الفرنسي لا يقرأ هؤلاء لأنّهم لا يعبّرون عن مشاغله؛ واستطردت: التعبير عن الوجدان لا يكون سوى باللغة الأم، والإنسان يصلّي ويمارس الحبّ باللغة الأم، لأنّها لحظات هيمنة الوجدان العميق، لحظات خارجة عن السيطرة. التعبير باللغة الأجنبية، كما لو أنّك تريد غناء الموشحات الأندلسية باللغة الإنكليزية… كما يفعل كثير من عازفي الصولو العرب!

وكنت أمزحُ وأقولُ عن الموسيقي الاستشراقي أنور براهم الذي يعزف مقامات شرقية على طريقة ما يصطلح عليه “موسيقى الغرفة” La musique de chambre حيث الموسيقيون في مكان، والشعب يجلس هادئاً في مكانٍ منفصل يعني على صورة الكنيسة التي انبثقت منها الموسيقى الغربية. حيث المذبح والرهبان منفصلون عن الشعب في صحن الكنيسة. في حين أن الموسيقى الشرقية تقوم على الطرب، والتفاعل والمشاركة والاندماج بين المطرب والجمهور أو الغناء الجماعي. ولم يكن أنور براهم معروفاً سوى في الغرب. وله من اسمه نصيب في ذلك.

ذهبتُ ذات صباح مع هشام شرابي ومحمود شريح من واشنطن إلى أقاصي ولاية بنسلفانيا إلى مدينة Gettysburg غيتسبرغ لزيارة ريتشار سكوت أستاذ محمود شريح المتقاعد الذي درّسه الفلسفة في الجامعة الأميركية في بيروت. أتذكر، مررنا بوهاد منطقة Gettysburg الخضراء الشاسعة والغارقة في شمس نوفمبر والتي دارت فيها آخر وأشرس معارك الحرب الأهلية الأميركية، عندما رغب إقطاعيو الجنوب الانفصال عن السلطة المركزية في واشنطن. قال هشام والسيارة تجنّح بنا في ضوء بنسلفانيا المشع والشمس تغمر المقعد الخلفي حيث كنت أجلس إلى جانب هشام: “هذه المساحات التي نراها مسقية بدماء المتحاربين… هنا دارت آخر وأشرس معارك حرب الانفصال”.

هل تتصوّر أم كلثوم مشهورة في السويد ومجهولة في مصر؟!

عندما دخلنا صالون الأستاذ العجوز وجدت نفسي جالساً قرب طاولة صغيرة عليها رزمة من الأقراص الإلكترونية ولتكريمنا أراد أن يُسمعنا موسيقانا الشرقية، أخذ بعض أسطوانات العازف التونسي وحيد ابراهم ووضعها في المسجل وصدحت موسيقى رغم المقام الشرقي الذي يتبدّى بين غيوم آلاتها بدت كما لو أنها موسيقى الغرفة. لا شرقية ولا غربية، موسيقى لا طرب فيها ولا حرارة.

قلت في نفسي إن هذا الرجل وصل إلى هذا المكان النّائي، إلى هنا في بنسلفانيا، ولم يصل إلى باب سويقة… وقلت لو كان هذا فناناً حقيقياً لكان معروفاً في تونس. هل تتصوّر أم كلثوم مشهورة في السويد ومجهولة في مصر؟! ولكنه التغريب والاستلاب الثقافي الذي كان سياسة بورقيبية، كولونيالية هندسها له الوزير الصهيوني الفرنسي بيير منديس فرانس الذي جلّسه على سدّة الحكم.

* شاعر ومترجم تونسي مقيم في أمستردام