التخطي إلى المحتوى

في حفل افتتاح “وين ع رام الله”، قدّم الفنان عامر حليحل، برفقة عدد من الممثلين، قصيدة الشاعر الراحل محمود درويش “مأساة النرجس ملهاة الفضة”، فكان مدخلاً مُغايراً ومبهراً للمهرجان، قبيل عرضه الأول، في العاشر من أغسطس/ آب الحالي.

وهناك علاقة خاصة ما بين عامر حليحل، الممثل المسرحي الفلسطيني المتميّز والمتمايز بتجربته، وما بين نص محمود درويش (1941 ــ 2008). وتحدث حليحل لـ”العربي الجديد”، عن هذه العلاقة، قائلاً: “علاقة المسرح بالشعر لا انفصام فيها، فالمحطات التأسيسية للمسرح في العالم كان لها علاقة مباشرة مع الشعر، وعلاقة قصائد درويش مع الناس كانت واضحة، وتحديداً في المراحل المتقدمة، فهو لا يكتب لنفسه. وعلى الرغم من أنه لا يخاطب الجمهور مباشرة، فإن ثمة وعياً في التوجه لديه بأن هناك جمهوراً يتلقى نصوصه هذه، وذلك لكونه كان شاعراً جماهيرياً ربّما، إذ ارتبط بظهور كبير على المنصّات المختلفة أمام جمهور من أنحاء العالم كافة، وهذا انعكس برأيي على طبيعة ما يكتب، أي النفس المسرحي في قصائده أو الروح المسرحية”.

وأضاف متحدثاً عن درويش: “قصائده لطالما حملت أسئلة ذات بعد إنساني عميق وكوني، علاوة على حرفة الكلام لديه التي هي من أعلى المستويات في الشعر العربي، فمَلكة الكلام لديه تختلف عمّن سواه، من دون التقليل من الآخرين، لجهة تطوّر اللغة وتطويعها، ولجهة المواضيع التي يتناولها، والبعد الإنساني في قصائده، وبحثه الدائم عن الأسئلة، وهو ما يتقاطع مع كينونة المسرح، وكذلك حضور الفعل في نصوصه، والذي هو صديق الخشبة”.

ويتميّز حليحل بتجسيد السرد في أعماله المونودراميّة (حضور وحيد على الخشبة) كافة، وهو ما كان جليّاً في عمله الفردي “الهوتة”، الذي كتبه وجسّده وعرضه ضمن فعاليات مهرجان “وين ع رام الله” بنسخته الرابعة عشرة، ويتناول الحروب بمفهومها العام، والحروب الداخلية أيضاً، بما يشكل نقلة نوعيّة على مستوى المونودراما الفلسطينية والعربية وربّما العالمية، وهو الذي سبق أن قدمت أعماله بالإنكليزية والفرنسية على أشهر مسارح العالم.

وعلى الرغم من ذلك، فإنّ حليحل بيّن أنه يؤرقه في كل عمل تقديم الجديد، وقال: “كلّ عمل أقدمه لا بد أن أقدّم لنفسي أولاً ما هو مختلف عمّا قدمته في السابق، ليكون مُبرّراً لي، قبل الآخرين، تقديم عمل جديد بالأساس، وإلا فإنني أسكن المنطقة المريحة، ولا أريد ذلك، لأنها في النهاية قاتلة للفنّان، لذا أنا دائم البحث عن تجديد ذاتي، وهذا ما لمسه الجمهور في الهوتة، وهي المغارة أو الحفرة الكبيرة”.

هذا يعني بالنسبة له أن على الفنان “طوال الوقت التعرّف إلى حدوده، بل وتجاوزها… على الفنان أن يحاول استفزاز نفسه، وإلا بقي يدور في الدوائر نفسها، وهذا ما ينطبق، بالنسبة لي، تقنيّاً لجهة التمثيل الفردي في المونودراما، ففي الهوتة، كما في الأعمال الأخيرة كلّها، تتسع مساحات الحوار على حساب السرد، بحيث تتناوب الشخصيّات التي أتقمصها في جسد واحد على الحديث من دون إشارات أو فواصل واضحة إلى التنقّل ما بينها، وتظهر ضمناً بالتجسيد، وهي تقنية صعبة للغاية”.

وقدّم حليحل في مشواره العديد من السير الذاتية بطرائق مسرحية عدّة، أحدثها مونودراما “طه”، وكان عرضه الأخير في إطار مهرجان “وين ع رام الله” بنسخته الرابعة عشرة، وعلى خشبة المسرح البلدي، وهي “مونودراما” كتبها من وحي سيرة الشاعر الفلسطيني طه محمد علي، وقبلها كان قد قدّم شخصية نجيب نصّار في مسرحية “صاحب الكرمل”، وقبلهما جسّد شخصية “الظاهر عمر الزيداني” في مسرحية “قناديل ملك الجليل” عن رائعة الروائي إبراهيم نصر الله، ومن إنتاج المسرح الوطني الفلسطيني (الحكواتي).

وعن ذلك، قال حليحل لـ”العربي الجديد”: “ما حدث إبّان النكبة جعلنا مشغولين فقط بنتائجها، ونسينا فنيّاً، أو مسرحيّاً، أنّنا كنّا بشراً بغض النظر عن الاحتلال وعن النكبة، وهو تاريخ لم تتم معالجته فنيّاً بالشكل المطلوب، بل لم يتم التطرق إليه، بحيث لم نُظهر بالشكل الكافي طبيعة ما كانت عليه فلسطين قبل عام 1948، فتاريخ فلسطين أكبر وأعرق وأقدم بكثير من النكبة على مأساويّتها ومأساوية تبعاتها المستمرة، وهو ما عمدتُ إلى التأكيد عليه من خلال تجسيدي لشخصيّات بعينها من حقب تاريخية متعددة، تعكس ذلك التاريخ، وإنسانيّة الفلسطيني وحضارته أيضاً، فالعودة إلى مثل هذه الشخصيّات مهم لأفهم نفسي، وحضوري في هذا العالم، كعامر وكفلسطيني، ومن بينها طه، كونها تتكئ على حكايات ملهمة حول الفلسطيني اللاجئ والعائد، ما بين الخاص والعام”.

وكشف حليحل أنه ما بعد “الهوتة” والنسخة الفرنسية التي بدأ عرضها على المسارح الباريسيّة وغيرها من مونودراما “طه”، أنه يعدّ لعرض جديد مع فرقة سراج عنوانه “الجبل”، كتبه الروائي والكاتب علاء حليحل، وهو مغناة لا تخلو من حبكة دراميّة مختلفة وخاصّة، كما كشف أنه يعمل على تقديم مشروع لطالما تأجل لأكثر من مرّة، ويتعلق بتقديم “ريتشارد الثالث”، إحدى روائع وليام شكسبير، وعلى الأرجح سيقدمه منفرداً (مونودراما) على عكس ما قُدّم حول العالم.