التخطي إلى المحتوى

وصلت، الأربعاء، باخرة التنقيب عن النفط والغاز “ترانس أوشن بارنتس”، التي يعتبرها اللبنانيون “الأمل الوحيد” لانتشالهم من أزمات يعيشونها منذ أربع سنوات.

وأعلن وزير الأشغال العامة والنقل اللبناني، علي حمية، رسو الباخرة في منطقة الحفر المحددة لها في البلوك رقم تسعة، لبدء أنشطة التنقيب التي تقودها شركة “توتال إنرجيز” الفرنسية، بالاشتراك مع شركة الطاقة الإيطالية العملاقة “إيني” وشركة قطر للطاقة الحكومية التي دخلت مطلع العام الحالي شريكا في الأنشطة البترولية في الرقعتين رقم 4 و9، بنسبة أسهم تبلغ 30 في المئة في مقابل 70 في المئة موزعة مناصفة بين الشركتين الأوروبيتين.

تأتي خطوة تنقيب لبنان عن النفط والغاز بعد توقيعه في أكتوبر الماضي على اتفاق لترسيم الحدود البحرية مع إسرائيل، ليقسم بعدها منطقته الاقتصادية الخالصة في البحر إلى 10 بلوكات، وكان البلوك رقم9  جزءاً من المنطقة المتنازع عليها مع إسرائيل لضمها حقل قانا الذي يتجاوز خط الترسيم الفاصل بين الطرفين، لكن اتفاق الترسيم أعطى لبنان هذا الحقل، على أن تحصل إسرائيل على تعويض من مشغلّي البلوك الذي ينتمي إليه.

ستبدأ عمليات التنقيب عن النفط والغاز في البلوك رقم 9 أواخر الشهر الجاري بحسب ما أعلنت شركة “توتال إنرجيز” في بيان، لفتت خلاله كذلك إلى وصول منصة الحفر وأوّل طائرة هليكوبتر تديرها شركة Gulf Helicopters لتقل الفرق الدعم إلى المنصة، واصفة وصول الآليتين بالخطوة المهمّة في التحضير لحفر البئر الاستكشافي، الذي سيطلق عليه اسم قانا 1/31 بحسب توصية سابقة لهيئة إدارة قطاع البترول اللبنانية.

يذكر أن شركة “توتال إنرجيز” الموجودة في لبنان منذ العام 2018، (وهو العام الذي تم فيه توقيع اتفاقيتي الاستكشاف والإنتاج للبلوكين 9 و4) أنهت أول بئر استكشافي تم حفره في المياه اللبنانية العميقة، في الرقعة رقم 4 في أوائل العام 2020، وفقاً لالتزاماتها التعاقدية، وهي تستعد مع شريكتيها إيني وقطر للطاقة لحفر بئر استكشافي ثان في الرقعة رقم 9 خلال العام 2023.

مسار طويل

بعد وصول باخرة “ترانس أوشن بارنتس”، سيبدأ المسار التقني لعملية التنقيب عن النفط والغاز في لبنان، وأولى خطواته، بحسب ما يقوله خبير اقتصاديات النفط والغاز، الدكتور فادي جواد في حديث لموقع “الحرة”،  “تحديد الموقع الذي جرى الاتفاق عليه بعد عملية رصد الأثر البيئي، ومن ثم نقل الطاقم الذي سيعمل على متن الباخرة من مرفأ بيروت عبر طائرة الهليكوبتر التي تم التعاقد معها من قبل الشركة المشغلّة للبلوك، كما ستنقل سفن الامداد المعدات التقنية، لتبدأ عملية الحفر التي تستغرق تسعين يوماً كحد أقصى للتأكد من وجود المواد الهيدروكربونية”.

بعد استكمال استيراد كل المعدّات اللازمة لتجهيز المنصّة انطلاقاً من القاعدة اللوجستية في مرفأ بيروت، حيث يتمّ تأمينها بحسب ما أعلن وزير الأشغال “بوساطة الطوافات والبواخر، ومدّها بمواد الإسمنت والطين من قبرص، ستباشر المنصة عملية الحفر مع مطلع سبتمبر على أبعد تقدير”، متوقّعاً أن تستغرق أعمال الحفر للوصول إلى البئر ما بين 60 و70 يوماً، “وهي مدة كافية للتأكد من وجود الغاز”.

وسينقسم طاقم العمل الموجود على المنصة بحسب حمية “إلى فريقين، يتناوبان مداورة على مدار الـ 24 ساعة في النهار لمدّة 15 يوماً، ثم يرتاحان بعدها 15 يوماً قبل أن يعودا إلى الحفر مجدّداً” لافتاً إلى أن “مدة أعمال الحفر وتكلفتها مرتبطة بنوعية الصخور والأرض في الرقعة علماً بأنها ستكون على عمق 4200 متر”.

 كمية الغاز المتواجدة في البلوك رقم 9 أكبر من النفط، كون حوض شرق المتوسط بحسب جواد “يمتاز بهذه الثروة” مقدّراً أن “كمية الغاز في هذه الرقعة، تزيد عن ثلاثة تريليون قدم مكعب، إلا إذا حصل مفاجآت خلال الحفر”.

عند استخراج الغاز تحدد بحسب جواد “الكمية، فإما أن تكون تجارية تغطي تكاليف الحفر والتطوير والإنتاج، أو غير تجارية ما سيدفع الشركة المشغّلة إلى إغلاق البئر الذي حفرته والانتقال إلى بقعة أخرى في الرقعة رقم تسعة، لاستكشاف فيما إن كان هناك منفذ لمنطقة غازية، عملية الاستخراج منها أسهل وتحتوي على كمية تجارية أكبر”.

بعد الوصول إلى كمية تجارية من الغاز، تستقدم كما يقول جواد “منصة مهمتها الاستخراج والتكرير والتصدير، وهذه العملية التي تسمى تطوير البئر، تستغرق ما بين سنتين إلى ثلاث سنوات، يتم خلالها حفر آبار متوازية لتغذية المنصة بثلاث كابلات، فلا يمكن سحب الغاز من فتحة واحدة”.

مخاوف من عمليات سطو!

مشهدان متناقضان يعيشهما اللبنانيون، ففي اليوم الذي وصلت فيه باخرة “الأمل”، وأعرب خلاله وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال، وليد فياض، عن أمله في أن يُصبح لبنان بلداً نفطياً، مشيراً إلى أن “شركة “توتال” متفائلة بوجود بلوك نفطي في حقل قانا ونحن على بُعد خطوات قليلة من الاستكشاف”، دخل لبنان في العتمة الشاملة.

فقد أعلنت “مؤسسة كهرباء لبنان” توقّف معملي دير عمار والزهراني عن العمل وانقطاع التغذية الكهربائية عن المشتركين، شارحة في بيان أن “كتاباً ورد إلى المؤسسة بتاريخ 8 من الشهر الجاري، من مشغّل معملي دير عمار والزهراني شركة PRIMESOUTH، تضمّن إنذاراً بتوقيف هذين المعملين وتسليمهما إلى المؤسسة يوم الجمعة الواقع فيه 11 من الشهر الجاري، الساعة الخامسة عصراً، بسبب عدم قبضه لمستحقاته بالعملة الأجنبية”.

ولفتت إلى أن “المشغّل مدّد أجل هذا الإنذار في حينه ليصبح لغاية اليوم الأربعاء الواقع في 16 من الشهر الجاري، الساعة الخامسة عصراً، بعد تلقّيه وعوداً من السلطات المختصّة بمراجعة مصرف لبنان بغية تسديد جزء من هذه المستحقات، ولكن دون جدوى لتاريخه”.

يذكر أن معملي دير عمار والزهراني هما المعملان الحراريان الوحيدان الموضوعان على الشبكة الكهربائية الوطنية حالياً، في ظلّ الظروف الاستثنائية السائدة في البلاد، حيث يؤمّنان بحدود 550 ميغاواط عليها”.

يعوّل اللبنانيون على أن يكون البلوك رقم 9 غني بالغاز والنفط، للخروج من حالة الانهيار والنهوض بمختلف القطاعات لاسيما قطاع الطاقة الذي أزهق المليارات من خزينة الدولة نتيجة الفساد المستشري منذ عشرات السنوات في هذه الوزارة، لكن بحسب جواد “حتى لو تم استخراج الغاز بكمية تجارية من هذا البلوك، فإن ذلك لا يعني أن لبنان سيخرج من أزماته، فالأمر يحتاج إلى استخراج الغاز من البلوكات العشرة لإنقاذ البلد من الكارثة الاقتصادية، إذ عندها فقط يمكننا الحديث عن أن لدينا ثروة حقيقية، نفطية وغازية، وبأن وطننا أصبح من نادي الدول المنتجة للغاز والنفط في العالم، من دون أن ينفي ذلك أن ما سيتم استخراجه من البلوك رقم 9، سيشكل مورداً جديداً للدولة اللبنانية يساعدها على تحسين وضعها”.

عدم تقدّم أي شركة عالمية للتنقيب عن الغاز والنفط في البلوكات الثمانية المتبقية، يطرح كما يقول جواد علامات استفهام، “ومع ذلك يمكن أن تشجّع تطورات التنقيب الحالية الشركات العالمية على الدخول في مناقصة تقديم عروض لهذه الرقع”.

من جانبه يرى مدير المعھد اللبناني لدراسات السوق، الدكتور باتريك مارديني، أن “وصول باخرة للتنقيب عن النفط والغاز في بحر لبنان خبر جيد من حيث المبدأ، لكن الخشية من السطو على عائدات ما سيتم استخراجه من قبل المسؤولين اللبنانيين، كما فعلوا بأموال المودعين في المصارف”.

مارديني يشرح في حديث لموقع “الحرة” أن “العامود الفقري للأزمة الاقتصادية التي يعيشها اللبنانيون هو وضع المصارف أموال المودعين لدى المصرف المركزي، الذي يُعتبر إلى حد ما إدارة مستقلة عن السلطة السياسية بهدف إدارة أموال الناس بشكل أفضل، إلا أنه تسبب بفجوة بلغت قيمتها عند بداية الأزمة 70 مليار دولار و80 مليار دولار اليوم، والسبب عدم وقوفه في وجه الضغوطات السياسية فاستمر في تمويل النفقات الرسمية، من هنا فإن السلطة السياسية التي ابتلعت كل هذه المليارات لن تغص ببضع منها من عائدات النفط والغاز”.

منذ الأزمة الاقتصادية لم تُقدم السلطة السياسية كما يقول مارديني “على تحسين شروط الحوكمة لكي نثق بقدرتها على إدارة الثروة الجديدة بشكل يفيد الشعب وليس المسؤولين وجيوبهم، فلم يتم وضع ضوابط وتحقيق أي إصلاح، وهذا النمط من التعاطي لا يبشر بالخير” ويضيف” يجري الحديث عن صندوق سيادي لإدارة عائدات الثروة الجديدة، أي تكرار التجربة السيئة للمجالس والصناديق التي كانت مرتعاً للفساد منذ تسعينات القرن الماضي، لذلك من الساذجة الاعتقاد أنها ستقدم نتائج أفضل الآن”.